تباطؤ الصين يدفع مصدّري نيوزيلندا إلى تنويع الأسواق بعيداً عن أكبر مشترٍ
الملخص: قالت كارين سيلك، مساعدة محافظ بنك الاحتياطي النيوزيلندي، إن بعض المصدّرين يحوّلون شحنات كانت متجهة إلى الصين نحو أسواق أخرى مع تراجع الطلب من أكبر شريك تجاري للبلاد. ويأتي ذلك بالتزامن مع تباطؤ الاقتصاد الصيني ورفع البنك المركزي النيوزيلندي سعر الفائدة إلى 2.75% لمواجهة التضخم.
بدأ بعض المصدّرين النيوزيلنديين في تحويل شحنات كانت مخصصة للسوق الصينية إلى أسواق أخرى، في مؤشر على اتساع تأثير تباطؤ الطلب في الصين على شركائها التجاريين. وقالت كارين سيلك، مساعدة محافظ بنك الاحتياطي النيوزيلندي، إن الشركات لا تتعامل مع الصين باعتبارها السوق الوحيدة المتاحة أمام منتجاتها، في وقت يواجه فيه الاقتصاد الصيني ضعفاً في الطلب المحلي وضغوطاً مستمرة في قطاع العقارات.
وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة لنيوزيلندا، التي تعتمد بدرجة كبيرة على صادرات السلع الزراعية والغذائية، وفي مقدمتها منتجات الألبان. ووفقاً للمعطيات التي أوردتها شبكة CNBC، استحوذت الصين على نحو ربع إجمالي صادرات نيوزيلندا خلال الاثني عشر شهراً المنتهية في يوليو، كما كانت قيمة السلع المتجهة إلى الصين في عام 2025 تقارب ضعف قيمة صادرات البلاد إلى الولايات المتحدة وأستراليا مجتمعَتين، بحسب مجلس نيوزيلندا والصين.
ماذا حدث؟
أفادت CNBC بأن سيلك رصدت توجهاً لدى عدد من المصدّرين النيوزيلنديين للبحث عن وجهات بديلة، بل وتحويل منتجات كان يُفترض أن تصل إلى الصين نحو أسواق أخرى. ولا يعني ذلك أن التجارة بين البلدين توقفت أو أن الشركات انسحبت من السوق الصينية، لكنه يعكس محاولة لتقليل أثر أي تراجع مستمر في الطلب من أكبر مشترٍ للسلع النيوزيلندية.
يتزامن هذا التوجه مع تباطؤ نمو الاقتصاد الصيني إلى مستويات توصف بأنها الأدنى منذ عدة سنوات خلال الربع الثاني، تحت ضغط ضعف الاستهلاك المحلي واستمرار أزمة العقارات. وبالنسبة للدول التي تعتمد على تصدير المواد الغذائية والمواد الأولية إلى الصين، فإن تراجع النشاط الاقتصادي هناك قد ينعكس على حجم الطلب، أو على الأسعار، أو على شروط التعاقد والشحن.
في المقابل، رفع بنك الاحتياطي النيوزيلندي سعر الفائدة الأساسي بمقدار 25 نقطة أساس إلى 2.75% في سبتمبر، في ثاني زيادة متتالية، مع الإشارة إلى احتمال تنفيذ زيادة أخرى قبل نهاية العام. ويأتي تشديد السياسة النقدية بهدف احتواء التضخم، لكنه قد يزيد أيضاً تكاليف التمويل على الأسر والشركات ويؤثر في سعر صرف الدولار النيوزيلندي، من دون أن يكون ذلك وحده كافياً لتحديد اتجاه العملة.
لماذا تعتمد نيوزيلندا على الصين؟
ترسخت مكانة الصين كأهم سوق لصادرات نيوزيلندا خلال السنوات الماضية، خصوصاً في قطاع الألبان. وتورد نيوزيلندا أكثر من نصف واردات الصين من منتجات الألبان، وهي حصة تشكلت في ظل اتفاقية التجارة الثنائية الموقعة عام 2008. كما توسع الوصول التفضيلي إلى السوق الصينية لاحقاً، وصولاً إلى إعفاء جميع منتجات الألبان النيوزيلندية من الرسوم الجمركية في عام 2024، وفق المعلومات الواردة في التقرير.
هذا التركّز يمنح المصدّرين النيوزيلنديين حجماً كبيراً من الطلب وسلاسل توريد مستقرة، لكنه يتركهم في الوقت نفسه أكثر تعرضاً للتغيرات التي تطرأ على الاقتصاد الصيني. فإذا تراجع الاستهلاك أو خفّض المستوردون المخزونات، فقد تحتاج الشركات إلى إعادة توجيه منتجاتها بسرعة، وهو أمر قد يرفع تكاليف النقل أو يضغط على هوامش الربح، خصوصاً في السلع الزراعية القابلة للتلف.
تحديات التنويع وفرصه
تنويع الأسواق يمكن أن يخفف الاعتماد على الصين، لكنه ليس عملية فورية. فالمصدّر يحتاج إلى مشترين قادرين على استيعاب الكميات، وبنية لوجستية مناسبة، وشروط دفع وتنظيمات صحية وجمركية ملائمة. كما أن دخول سوق جديدة قد يتطلب بناء علاقات تجارية وعلامات توزيع، في حين قد لا تتمكن الأسواق البديلة من تعويض حجم الطلب الصيني بالكامل على المدى القصير.
مع ذلك، يمنح التنويع الشركات مرونة أكبر في مواجهة دورات الطلب المختلفة. فالولايات المتحدة وأستراليا من أكبر الأسواق الأخرى للسلع النيوزيلندية، لكن البيانات المذكورة في التقرير لا تثبت أن هذه الأسواق أو غيرها عوّضت بالفعل الانخفاض في الشحنات المتجهة إلى الصين. المؤكد حتى الآن هو وجود مساعٍ لتحويل بعض المنتجات إلى وجهات بديلة، وليس تحقق تعويض كامل أو دائم.
تأثير اضطرابات الشحن وأسعار السلع
أضافت الاضطرابات المرتبطة بالحرب في الشرق الأوسط وحركة الشحن عبر مضيق هرمز ضغطاً إضافياً على تكاليف السلع الأولية والنقل. وقد يؤدي ارتفاع تكاليف الشحن والطاقة إلى زيادة تكلفة وصول المنتجات إلى المستوردين، ما يضعف شهية بعض الأسواق للشراء أو يغير حسابات المصدّرين بشأن الوجهة الأكثر جدوى.
لكن ارتفاع أسعار بعض السلع، ومنها القمح، قد يمنح المزارعين النيوزيلنديين القائم إنتاجهم على المراعي ميزة نسبية من ناحية التكلفة، بحسب تقييم سيلك الذي نقلته CNBC. وتبقى هذه الميزة مشروطة باستمرار فروق الأسعار وعدم تجاوز تكاليف الشحن والتأمين والمستلزمات الزراعية للمكاسب الناتجة عنها.
ما الذي نعرفه وما الذي لم يتأكد بعد؟
المعطيات المؤكدة هي أن الصين ما زالت أكبر شريك تجاري لنيوزيلندا، وأنها تستحوذ على حصة كبيرة من صادرات البلاد، وأن مسؤولاً في بنك الاحتياطي النيوزيلندي تحدث عن تحويل بعض الشحنات إلى أسواق أخرى. كما أن البنك رفع سعر الفائدة إلى 2.75% لمواجهة التضخم، مع إبقاء احتمال زيادة إضافية قائماً.
في المقابل، لا تتضمن المعلومات المتاحة أرقاماً تفصيلية عن حجم الشحنات التي جرى تحويلها، أو أسماء الأسواق التي استقبلتها، أو مقدار الانخفاض الفعلي في الصادرات النيوزيلندية إلى الصين. كما لا يمكن الجزم من هذه التصريحات وحدها بأن التنويع سيصبح تحولاً دائماً في هيكل التجارة، إذ قد يعود الطلب الصيني إلى التحسن أو يستقر عند مستويات مختلفة.
الخلاصة
يكشف تحرك المصدّرين النيوزيلنديين عن حساسية الاقتصادات الصغيرة والمفتوحة أمام تباطؤ الطلب في الصين، خصوصاً عندما تتركز صادراتها في عدد محدود من السلع والأسواق. وستعتمد قدرة نيوزيلندا على امتصاص الصدمة على سرعة إيجاد مشترين بديلين، وتطور أسعار السلع والشحن، ومسار التضخم والسياسة النقدية محلياً. أما بالنسبة للأسواق العالمية، فتشير الحالة إلى أن تباطؤ الصين لا يقتصر أثره على الإنتاج المحلي، بل يمتد إلى قرارات الشركات وسلاسل الإمداد في الدول المصدّرة.
اقرأ أيضاً
- تفكيك صفقات الفائدة يدفع الين إلى أكبر ارتفاع له في أشهر
- الصين تطالب شركات السيارات بإبعاد حرب الأسعار عن الأسواق الخارجية
- ارتفاع تكاليف الدراسة الجامعية يدفع الأميركيين إلى البحث عن بدائل للتمويل
المصدر
اعتمد هذا التقرير على المعلومات المنشورة عبر CNBC.
الانضمام إلى المحادثة