عوائد السندات العالمية تقفز إلى أعلى مستوياتها في عقود مع تصاعد مخاوف التضخم
الملخص: ارتفعت عوائد السندات الحكومية في الولايات المتحدة واليابان والمملكة المتحدة وألمانيا، بعدما أعادت التوترات العسكرية بين واشنطن وطهران مخاطر التضخم وأسعار الطاقة إلى صدارة اهتمام المستثمرين. وسجلت عوائد السندات اليابانية والبريطانية مستويات تاريخية مرتفعة، بينما صعد عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات إلى أعلى مستوى في 20 شهراً.
قفزت عوائد السندات الحكومية في عدد من أكبر الأسواق العالمية خلال تعاملات الثلاثاء، في تحرك عكس ارتفاع تكاليف الاقتراض واتساع المخاوف من عودة الضغوط التضخمية. وجاءت التحركات بعد تجدد الأعمال العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران قرب مضيق هرمز، ما دفع أسعار النفط إلى الارتفاع وأعاد تقييم مخاطر الإمدادات والطاقة.
وتتحرك عوائد السندات وأسعارها عادة في اتجاهين متعاكسين؛ فعندما يبيع المستثمرون السندات تنخفض أسعارها وترتفع العوائد المطلوبة للاحتفاظ بها. ويعني ارتفاع العوائد أن الحكومات قد تواجه تكاليف أكبر عند تمويل العجز أو إعادة إصدار الديون، كما يمكن أن يؤثر في تسعير القروض وأسعار الأصول الأخرى.
ماذا حدث في أسواق السندات؟
ارتفع عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات بمقدار 3 نقاط أساس إلى 4.7880%، وهو أعلى مستوى له في 20 شهراً، وفق البيانات التي أوردتها شبكة CNBC. ويُعد هذا العائد مرجعاً رئيسياً لتسعير مجموعة واسعة من القروض والأصول المالية، لذلك تراقب الأسواق تحركه بوصفه مؤشراً على توقعات النمو والتضخم ومسار السياسة النقدية.
في اليابان، تجاوز عائد السندات الحكومية لأجل 10 سنوات مستوى 3% بعد ارتفاعه بأكثر من 6 نقاط أساس، وهي المرة الأولى التي يصل فيها إلى هذا المستوى منذ عام 1996. كما لامس عائد السندات لأجل عامين 1.81%، وهو أعلى مستوى له في 31 عاماً، ما يشير إلى أن ضغوط العوائد لم تقتصر على آجال الاستحقاق الطويلة.
أما في المملكة المتحدة، فارتفع عائد السندات لأجل 10 سنوات، المعروفة باسم جيلتس، بأكثر من 9 نقاط أساس إلى 5.2341%، وهو أعلى مستوى منذ يونيو 2008. وصعد عائد السندات البريطانية لأجل 30 عاماً بالمقدار نفسه تقريباً إلى 5.8856%، مسجلاً أعلى مستوى منذ مارس 1998.
وامتدت الموجة إلى منطقة اليورو. فقد زاد عائد السندات الألمانية لأجل 10 سنوات بأكثر من 3 نقاط أساس إلى 3.3546%، وهو أعلى مستوى خلال 52 أسبوعاً، بينما بلغ عائد السندات لأجل عامين 2.9496%، وهو أعلى مستوى منذ يوليو 2024. كذلك ارتفع عائد السندات الفرنسية لأجل عامين إلى أعلى مستوى له منذ أبريل 2024.
لماذا يهم هذا التطور؟
يأتي صعود العوائد في وقت تحاول فيه الأسواق تقدير أثر التوترات الجيوسياسية في التضخم والسياسة النقدية. ويُنظر إلى النفط بوصفه قناة انتقال أساسية؛ فارتفاع تكاليف الخام قد يزيد تكاليف النقل والإنتاج والتدفئة، ما يرفع احتمالات استمرار التضخم أو تباطؤ تراجعه.
ارتفع سعر خام برنت بنحو 2.2% إلى 92.38 دولاراً للبرميل، بينما زادت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط 2.61% إلى 88.05 دولاراً، بحسب الأرقام الواردة في التقرير. وتبقى أهمية مضيق هرمز مرتبطة بدوره في حركة شحنات الطاقة العالمية، ما يجعل أي تصعيد حوله عاملاً قادراً على التأثير في توقعات الأسواق حتى قبل ظهور اضطرابات فعلية في الإمدادات.
ولا تعكس العوائد التضخم وحده. فارتفاع احتياجات الحكومات إلى الاقتراض، واتساع العجز المالي، وتغير توقعات المستثمرين بشأن أسعار الفائدة، كلها عوامل يمكن أن تدفع العوائد إلى الصعود. كما قد يؤدي طلب المستثمرين على تعويض أكبر عن مخاطر الاحتفاظ بالديون طويلة الأجل إلى زيادة العوائد حتى في حال لم تتغير أسعار الفائدة الرسمية فوراً.
ما الذي نعرفه حتى الآن؟
ربط التقرير بين ارتفاع تكاليف الاقتراض وتجدد الضربات المتبادلة بين الولايات المتحدة وإيران خلال الأيام الأخيرة. كما أشار إلى أن الصراع الممتد لنحو ستة أشهر، إلى جانب قرار للمحكمة العليا الأمريكية بشأن الرسوم الجمركية، زاد الضغوط على سوق السندات. ووفق التحليل المنسوب إلى ستيف إنغلاندر، رئيس أبحاث العملات لمجموعة الدول العشر واستراتيجية الاقتصاد الكلي لأمريكا الشمالية في Standard Chartered، قد تبقى العوائد تحت ضغط صعودي عبر مختلف آجال الاستحقاق.
ويرى إنغلاندر، بحسب CNBC، أن الولايات المتحدة ليست الدولة الوحيدة التي تواجه مشكلة العجز المالي. ويعني ذلك أن ارتفاع العوائد قد يكون جزءاً من اتجاه عالمي أوسع، بدلاً من كونه ظاهرة مرتبطة بسوق الخزانة الأمريكية وحدها.
في المقابل، قلل وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت من المخاوف بشأن ارتفاع عوائد سندات الخزانة خلال مقابلة مع CNBC. وأشار إلى أن سوق السندات الأمريكية ما زالت، من وجهة نظره، الأفضل أداءً مقارنة بأسواق السندات العالمية، كما لفت إلى أن وكالة Fitch Ratings أكدت تصنيف الدين الحكومي الأمريكي عند AA+ في الشهر السابق. وتظل هذه تصريحات رسمية تعكس تقييماً سياسياً للسوق، وليست دليلاً مستقلاً على انتهاء الضغوط المالية.
العامل البريطاني والاختلاف بين الأسواق
شهدت السندات البريطانية ارتفاعاً قوياً في العوائد، وقال التقرير إن السوق كان يلحق بتحركات الأسواق العالمية بعد عطلة رسمية يوم الاثنين. وتزامن ذلك مع نقاش سياسي حول زيادة الدور العام في دعم النمو، إذ أوردت CNBC نقلاً عن صحيفة The Guardian أن رئيس الوزراء البريطاني آندي بورنهام قد يطرح أمام النواب توجهاً تشريعياً يسهل إعادة بعض شركات المرافق المتعثرة إلى الملكية العامة.
ولا يمكن الجزم من البيانات المتاحة بأن هذا النقاش السياسي كان السبب المباشر للقفزة في العوائد. غير أن أي مقترحات تتعلق بالإنفاق العام أو إعادة هيكلة قطاعات رئيسية قد تدخل في تقييم المستثمرين لمسار الدين والعجز، إلى جانب العوامل العالمية مثل النفط والتضخم وأسعار الفائدة.
ما الذي لم يتأكد بعد؟
لا توضح التحركات الحالية وحدها ما إذا كانت موجة ارتفاع العوائد ستستمر أو تتراجع. ويعتمد ذلك على مسار التصعيد العسكري، وحجم تأثيره الفعلي في تدفقات النفط، وبيانات التضخم المقبلة، وردود أفعال البنوك المركزية. كما أن بلوغ عوائد مرتفعة لا يعني تلقائياً استمرار التضخم، إذ يمكن أن تتغير توقعات السوق بسرعة إذا هدأت التوترات أو تراجعت أسعار الطاقة.
كذلك لا تكفي مقارنة مستويات العوائد بين الدول لتحديد السوق الأكثر تعرضاً للمخاطر، لأن لكل سوق وضعه المالي والنقدي والسياسي. وتشمل العوامل المهمة حجم الدين، وآجال استحقاقه، وقاعدة المستثمرين، وتوقعات النمو، وقدرة الحكومة على ضبط العجز.
الخلاصة
تكشف تحركات الثلاثاء عن حساسية أسواق السندات تجاه اجتماع ثلاثة عوامل: تصاعد التوتر الجيوسياسي، ارتفاع أسعار الطاقة، والمخاوف المتعلقة بالعجز والاقتراض الحكومي. وقد سجلت اليابان والمملكة المتحدة مستويات عوائد لم تُر منذ عقود في بعض الآجال، بينما اقترب العائد الأمريكي لأجل 10 سنوات من 4.8%، ما يضع تكلفة التمويل العالمي وتوقعات التضخم مجدداً تحت المجهر.
اقرأ أيضاً
- ارتفاع عوائد السندات يختبر صعود الأسهم العالمية وسط مخاوف التضخم والعجز
- غولدمان ساكس: أصول جنوب أفريقيا قد ترتفع مع احتمال العودة إلى الدرجة الاستثمارية
- تجدد هجمات الناقلات يهدد تعافي تدفقات النفط عبر مضيق هرمز
المصدر
اعتمد هذا التقرير على المعلومات المنشورة عبر CNBC.
الانضمام إلى المحادثة